بضع لحظات في يومٍ ما
بضع لحظات في يومٍ ما
استيقظتُ صباحاً..لأجد كلماتك مُبعثرة في أرجاء حُلمي..
واقعيةٌ كانت...لتلك الدرجة التي افقتُ وأنا اتلمسها حولي...
اجلس قليلاً..ليهدأ الفزع المُصاحب للاوعي ...أيكونُ الحلم واقعاً إلى هذة الدرجة ؟
الهذة الدرجة تخدعنا عقولنا ؟

   يومٌ جديد هو اذاً...في دائرة التكرار ذاتها...

أُبصرُ خلف الحُجُب لأرى دوائر أخرى عديدة الأحجام ...والسُكان

وحدها الدائرة المكسورة هناك منبوذة...

ووحدها ...هي كُل ما أريد

   اعودُ ليوم اخترت دائرتي هذة...

يزورني كثيراً في لومٍ وعتب...بذكريات رمادية ابتلعت الرتابة ُ ألوانها لتزيدها وحشة...

أورُبما لتزيدك أنت شوقاً إلى إعادة تلوينها.

   دعني أُعرفك على سكان دائرتي

تجمعنا جميعاً سمات واحدة : الهشاشة ذاتها..والضعف ذاته ومؤخراً البؤس ذاته

   هذا هناك الجالسُ على سجادة الصبر..هو "القانع"

وذلك الواقف عند قوس قزح الأفق..هو "الآمل"ُ بغدٍ أفضل بلا أي معطيات تدُل على ذلك في الحاضر

   وهذا المُهرول ذهاباً وإياباً...هو "المفزوع" الباحث عن مخرج...

مسكين...يظن أنه قد لا يسكن هنا إلى الأبد...يدور في الحلقة المفرغة ذاتها ما إن يبدأ بنقطة حتى ينتهي عندها...

واضحٌ لك أنه ينقصه فقط الحكمة والبصيرة...آمل ألا تنتهي طاقته قريباً قبل أن يتكونا لديه.

   هذة المرأةُ المُتبخترة هناك...هي إمرأةُ الدائرة وملكتها...

هي الحالمة بالسعادة...النضرة البهية...الحزينة

الحزانى يُثيرون فينا الرغبة أن نقترب منهم غروراً أننا نستطيع أن نُزيل ذلك الحُزن القابع في نفوسهم

داوم على ذلك حتى يبتلعك حزن أحدهم داخله يوماً ما.

   ياإلهي...أنه لا يصمت...

ذلك الصوت الذي قطع حديثنا وتأملنا في الحزن هو صوت "المُبرِر"

إنه لا يمل ابداً أن يُملى علينا أنه لا خيار لنا فيمَ نحن فيه...

مؤخراً فقط اصبح صوته رتيباً من نغمة واحدة...فقد حماسته الأولى..

نأمل أن يأتي يوم يفقد فيه صوته ايضاً فيصمت للأبد.

   اه.. عذراً...هذة التي صدمتك وهي تجري الآن...هي طفلة الدائرة..

صارت تمرض كثيراً مؤخراً...لم تعد ضاحكة منطلقة كما كانت

اعتقد أنها بدأت تشيخ.

   هل استمتعت في جولتك ؟

بقي لك فقط ان تعرف يا صديقي

أني اسكنُ هذة الدائرة وحدي..

وأن من رأيت..هي صوري جميعها 

وانعكاسات لي

صنعتها كلماتك تلك التي استيقظت عليها في حلمي  :" اخرج من دائرتك."

   اخبرتني ان خارج كهف افلاطون تقبع الحياه...ونسيت ان تخبرني أين المخرج

لو لم تخبرني لما علمتُ أني سجين هذة الدائرة...وأن الحياه هي خارجها

وبقي لك أن تعلم...أن ما رأيتَه وما عشته انت 

هو بضع لحظاتٍ في يومٍ ما...

اعيشه أنا كاملاً...كل يوم.


*ملحوظة: 

في كتاب الجمهورية لافلاطون ذُكر مثال الكهف والذي اصبح اهم نظرية فلسفية في تاريخ الفلسفة الاغريقية

تخيل افلاطون ان الناس في الدنيا عبارة عن بشر ولدوا في كهف...منذ نعومة اظافرهم مربوطين بسلاسل من ايديهم وارجلهم ورقابهم

بعيداً عنهم تتواجد نار ضخمة تلقي بظلال كل شئ تقريبا على جدران الكهف

فالناس المُقيدة لاترى غير ظلال الاشياء فقط على جدران الكهف....

وخارج الكهف تكمن الحياه  بكل تفاصيلها والوانها وكائناتها...

الكهف هو الدنيا او عالم المحسوسات كما سماه افلاطون

وخارجه هو عالم المُثل او الفضائل العُليا

والسبيل الوحيد للخروج من عالم المحسوسات إلى عالم المُثل هو تحرير الروح من الجسد المُقيد

وعلى هذا فإن الفيلسوف هو الذي يفكر في الجوهر  وراء المظاهر...ويميز المظهر من الجوهر ..

رُغم سلامة نية افلاطون وعظمة نظريته ...إلا انها في رأيي 

فتحت الحجيم على هؤلاء قاطني الكهف ...لانها فتحت عيونهم على ردائة الحياه التي يعيشونها

وفتحت الحرب علي هؤلاء المقنعين لهم ان هنالك حياه اخرى خارج هذا الكهف 

وليس في وسع كل العامة أن يصبحو فلاسفة...ابداً

هذا المقال هو تمني لعاميّ مدرك.. أن يصبح فيلسوفاً يوماً ما.


اترك أثراً للكاتب: