حبٌ من جُب
حبٌ من جُب
أهرب مهرولاً لأختبأ خلف الباب .. أنهار باكياً مخبئاً رأسي بين يدي المرتجفتين من أثر الرعشة السارية داخلي ، أحاول الوقوف و الرجوع لاحتضان أبنائي و الاعتذار لزوجتي لكني لا أستطيع ، ليس خوفاً من الاعتراف بالذنب ، فكلنا و إن تعمدنا مذنبين ....

أنا لم أرد أن أكون يوماً سيئاً ، أنا مثلكم كلكم .. فقط حلمت بعائلة و زوجةٍ طيبةٍ و أبناء ، و لكني كنت الرجل السيء على الدوام .. الرجل الذي يصرخ باستمرار ، يعنف زوجته و أبناءه ليلاً و نهار ، يضرب هذا و ذاك و لا يستطيع تلافي خطأه أو الاقتراب ، أهرب مهرولاً لأختبأ خلف الباب .. أنهار باكياً مخبئاً رأسي بين يدي المرتجفتين من أثر الرعشة السارية داخلي ، أحاول الوقوف  و الرجوع لاحتضان أبنائي و الاعتذار لزوجتي لكني لا أستطيع ، ليس خوفاً من الاعتراف بالذنب ، فكلنا و إن تعمدنا مذنبين ، أخاف عندما أموت أن يقال : كان مريضاً نفسياً ، معتلاً بذاك السوء ، فليقولوا : كان عصبياً صعب المزاج ، و لكنه كان طيباً محباً للخير ، لربما يكرهني أبنائي او حتى أنهم يكرهوني ، لم آخذهم في حضني يوماً ، لم أحكِ لهم حكاية السندباد و علاء الدين ، لم أمسك بيد واحدٍ منهم أبداً ، لم اصحبهم إلى محلٍ أو دكان ، كنت أركض و هم خلفي يهرولون ، أرخي أذناي جيداً لكي أتأكد من سلامتهم على الطريق ، و كي أتجنب النظر إلى الخلف ، و لكني أريد ... ، في مرةٍ وقع حادثٌ خلفي ، توقف قلبي قبل قدماي ، كدت أستدير لولا صوت ابني الذي ندهني و اقترب مني بخوفٍ شديد ، كدت أمسك يده لكن سيارة لقريب لنا حالت دون ذلك ، ترجلت و إياه السيارة مبتعدين .

كم أود ان أعتذر لزوجتي عن تلك العذابات و عن فترات الغياب ، عن شتمها و تعذيبها أمام الأولاد ، صدقيني يا عزيزتي .. لم أقصد إيلامك أو إحزانك ، كل ما في الأمر أني أحب .. أحب و لا أستطيع ، أحبك لأنك زوجتي ، لم أنظر لامرأة طوال حياتي حتى في سفري ، لا أعلم إن كنت تحبين  غيابي الطويل ، و لكني كنت إليك و للأولاد أشتاق.

أذكر ذاك اليوم الحزين ، حين صفعتك و ذهبنا للطبيب ، أخبرنا أنك فقدت سمعك مع نظراته المريبة و المحلقة حولي ، فأجبته قبل السؤال أنه نتيجة لصوت قنبلة شديدة سقطت بالجوار ، لم أستطع الاعتراف و لم أطلب منك المسامحة ، هربت مجدداً خلف الباب باحثاً عن حضن دافئ يضمني ، رأيت أمي في المنام تحتضنني بين ذراعيها بعيدا عن سوط أبي المسموم ، حين استيقظت كنت أنت بجانبي تنشجين بالبكاء و بين دموعك المنهمرة تبتسمين ، قلتُ : أحبك منذ زمن بعيد ، منذ أول دمعة نزلت على وجهكِ الملائكي البرئ .. يا حبيبي ما كنتَ لنا يوماً جلاداً  و لكن سياط طفولتك المعذبة طالت ، فطالتني و الأولاد ، فلنسقط دابرها اليوم بالحب العتيد .. ما زلت أقول أحبكَ كل يوم و إن كنت في جُبٍ عميق بعيد ...


ما رأيك بهذا المنشور؟

تعليقكم يعني الكثير للكاتب:


التعليقات