حُمى الانتقاد على جِباه المُنتقصين
حُمى الانتقاد على جِباه المُنتقصين
اتخذ منهم مكاناً قصياً . . وتدثر بألحفة روحك

اتكأت نفس بشرية على كتفي، شاكية لي الألسنة المنتقصة، وقرأت رسالة خطت حروفها من حبر دموع قَلب كان قد توقف عن المضي، بسبب انتقاد كتب على حائطه أن توقف، العبارة ذاتها التي أصبحت من سنن تلك الموضة المقيتة، أتحدث عن تلك الموضة التي انتقلت سمومها إلى أجساد البسطاء وأحلامهم، نفثتها فيهم معاول المنتقصين، واستجابة لأصوات ترددت بداخلي، أتيت ملبيا، لأخط حروفا على شكل نقاط سريعة، لعلها تكون ترياقا لهم، وإبرة موت تحمل سما لتلك الموضة.

انتقدهم.. سيصفقون لك ويشهد الزمان بأنك جاهل

ما إن يضع المنتقد مجهره على أخطاء الأخرين وعثراتهم، بَعد أن تغير مناخ قلبه، بفعل جمال مناخات غيره كما بدا له من تصرف أصحابها، وبعد أن تغير مذاق اللعاب في لسانه، وبدأ يطلق عباراته المنتقصة، وحروفه المنتقدة، حتى خيل إليه أن الجميع يصفق له، ليخبره الزمان بأنه ما هو الا متسابق كما الجميع في هذه الحياة، الجميع ينتظر فقرته التي عليه تقديمها، بَعد أن ظَن بنفسه أنه على مقاعد متحركة، يديرها لمن أعجبه فعله على مَسرح الحياة، وبعد أن جلس على تلك المقاعد أصبح فارغا جاهلا، أراد إشباع شهوته في الانتقاص فحسب، ولا يعلم أنه بذلك قد وضع العدسة على ما يقدم، وعلى أخطائه التي طالت قامتها بتقزيمه لغيره.


لَعل المشهد الذي يقدمه بعضهم، لا يكون كافيا لأن يحكم عليه مِن قبل المتفرجين، فالمشهد سيبقى ناقصا أمام من رآه بعينه، إن لم يكن قد وعاه بقلبه، لأن النفس تجتهد بأن لا تظهر لهم إلا ما تريد، وليس من السهل أن تخلع كل المعاطف التي صنعتها من نسيج تجاربها، وظروفها، فيبدؤون بالتحليل عن شخصية الأشخاص، والخوض في الحديث عن مدى كفاءتهم، والدخول في نوايا أهدافهم، يتساءلون عما حقق الآخرون من إنجازات في حياتهم، يحددون لهم المجالات التي يجب أن يتحدثوا بها، دونَ أن يضعوا في اعتبارِهم الظروف الكاملة لهم، التي قد تختلف كليا أو جزئيا عن ظروفهم الشخصية الملائمة لرأيهم، دون أن يضعوا بحسبانهم التجارب التي مر بها الأخرون، والمراحل والمنعطفات والتطورات التي تتكرر في حياتهم كل حين.


فالحياة مسرح تجارب، فقدم ما تؤمن به وتناسى عدساتهم، وصفق لنفسك بعد انتهاء المشهد الذي كنت بطله، وتذكر دَوما أنك لست سوى متفرج في مسارح الآخرين، وأن ما لا يعجبك قد يعجب غيرك، فالتبرير قاتل، والانتقاد اللاذع سيكون من جاهل، فلا تتساءل إن سمعت انتقاصاً لك من القائل، فسيقول لك القلب أجْمِلْ، وسيبوح لك بأجمل مما قالوا، سيقول لك حتما.. حاول.

كل أدرى بمنسوب إنجازه.. وكل يغني على ليلاه

تلك القلوب التي تخوض التجارب وتخطئ وتصيب، هي أكثر الناس معرفة بمنسوب الإنجاز الذي وضع في كأس حياتها، فلا يتماهى الانتقاص بداخلك في كؤوسهم، فإن ما تراه قطرات خفيفة، قد يكون بالنسبة إلى أرواح، مطرا غزيرا طال انتظاره، فما تراه أنت معدنا رخيصا قد يراه الآخرون ذَهبا، وربما يكون إنجازك الوحيد الذي يذكر لك، أنك احترمت إنجازات غيرك دون الانتقاص منها، والعبث بقدسيتها في دواخلهم.

اتخذ منهم مكانا قصيا.. وتدثر بألحفة روحك

سيؤذن في مأذن الكبرياء بداخلك أن تنأى عن كل منتقص، وأن تربأ بقلبك بَعيدا عن كل منتقد، وأن تشيد بنيان روحك، وتكمل صناعة ذاتك، وأن تسند سلالم صعودك على حائط الزمان، وتدق دسر تجاربك في ألواح إنجازاتك، وتمد الجسور الموصلة إلى مدن الرضا النفسي لتعلن إقامتك فيها. وإلى كل منتقص يحاول التقليل من جهد الآخرين، لا تقم على أحد مأتما، فلنفسك المنتقصة كل العويل، ولطالما وجدت الوقت لكي تدخل سفينة غيرك، لتلقي فيها موعظتك المنتقصة، فقل لي من يسوق سفينتك الآن!


اترك أثراً للكاتب: