لقاء الزاهدين ....
لقاء الزاهدين ....
- أخاف من طيفك عند نحيب المطر ، و من لحدك المسجى خلف التلال ، الطرق و المزاريب تنشج بصوت عال ، أخاف أن يحفر المطر قبرك فتظهر للعيان مبتسما و يظهر سرنا جهرا ، و تذهب روعة اللقاء .

- ما زلت كما أنت ، تحبين التفرد و التميز حتى في طقوس الموت ، لا تقلقي نفسك عبثا ، أتذكرين وعدنا لبعضنا ، كلمة السر و ترتيل انشقاق القبر ، لا تقلقي ........

إلى مهند ... أعلم أنك هنا .. ترانا من مكانٍ ما .....

لم تكن الشوارع خالية كما توقعت ، رغم أن سماء يناير ممتلئة مبلدة كما هو الحال ، لكن الشيء الغريب هو اكتظاظ الشوارع بالسكان ، تُرى هل يذهبون إلى المقبرة كما أنا ذاهبة اليوم ؟! ، عجبا .. أجميعم فقدوا أعزائهم ، لربما أيضا أعدائهم !!! ، لكن من منا يود زيارة عدوه .

على باب المقبرة و جدت الحارس متكوما أمام كومة من الحطب المشتعلة ، يرشف الشاي الساخن بلذة غريبة ، لذة بنكهة الموت ، كيف له أن يشرب و يأكل هكذا ؟ ، يوم ما طرحت هذا السؤال على أبي .

- أبي ، أتعرف شيئا ، تلك الممرضة حين كنت في غرفة المشفى غطت المرأة الميتة بكل برود ، ثم رأيتها تشرب الماء و تتناول عشاءها ، ما هذه الوحشية يا أبي ؟

- ليست وحشية ، إنما الاعتياد .

- تبا لهكذا اعتياد .

توجهت إلى الجهة الشرقية من المنطقة ، مقبرة مليئة بالرطوبة ، رائحة الأرض تعبق في أنفي أكاد أختنق من شدة الرائحة ، الأرض لزجة طينية ، تراها كانت أرضا زراعية تبرع بها صاحبها كصدقة جارية ، لربما أراد أن يبني لنفسه نصباً في المنتصف ، تحفه قبور اولاده و أحفاده ، ثم لتتوزع القبور الأخرى بشكل عشوائي كما تريد ، فالصدقة هنا جارية ، و لربما أراد بهذا ان يحمي رفاته من الجمع مع رفات أخرى بعد سنوات طوال ، جلت بعينيّ علني ألمح هذا النصب و لكني لم أره ! ، ربما لم يمت بعد .....

مشيت مسافة لا بأس بها ، و أنا أبحث عن القبر المنشود ، لكني لم أهتدي إليه ، لربما كان عليّ أن أسأل أصحاب صاحبه عن مكانه ، و لكن هذا سيعد نقيصة في حقي و قدحاً في قريحتي ، و طعنا كذلك في حاسة قلبي ، أعلم .. أعلم أني سأهتدي إليه ببصيرتي ، حتى لو كانت كل القبور متشابهة ، و لكن ....

- عمن تبحثين يا سارة ؟

- مهند ، أهذا أنت !!!!!!

- هل كنت تنتظرين أحدا آخر ؟

- لاااااااا ، أبدا على العكس ، لقد تواعدنا على هذا الموعد.

- و ها أنا أفي بوعدي !

- لست أنت من وفى بوعده ، بل أنا ، فأنت هنا راقد سواء أأتيت أنا أم لم آتي لزيارتك .

- مغرورة كالعادة أنت .

- و أنت نرجسي بشكل مستفز .

- سارة ، كيف هي أمي ؟

- ألا تزورها ؟

- بلى ، و لكني أخاف أن أقض مضجعها الذي لا يهدأ ، أخاف أن تغفو يا سارة ، فأسرق إغفاءتها ، أعلم أنك بدأت بارتياد عيادتها النفسية ، و لكن هل أخبرك أمرا يا سارة ؟ ، ستخرجين بشكل أسوأ يا سارة ، أو كما دخلت تماما مع جرعة تهكم و يأس زائدة ، لا أحد يستطيع أن ينقذك يا سارة مما أنت فيه سوى أمك .

- اصمت ، لا أريد أن أسمع المزيد منك ، أنا لن أطلب العون من أمي ، أنا لا أأتمن أمي على روحي أو حياتي ، و هي التي أودتني في هذه الحفرة السحيقة ، نعم .. أرتاد عيادة أمك ، أعلم أنها لن تفيدني ، و لكن هو لأجلك يا مهند ، لكي يبقى لديها سبب للحياة ، كذلك أنا لا أبحث في العيادات النفسية عن ترياق الحياة أو الخلود ، تبا لك كيف تستفزني لأقول ما تعلم .

- حسنا ، ما بالك تتأخرين عن اللحاق بي ؟

- أنا لا أعرف .

- جبانة أنتِ يا سارة ، متمسكة بالحياة ، تخافين الموت ، و تتمسكين بهذا الزيف المقيت ، و تتعايشين مع هذه الكائنات السخيفة ، يتناسلون و يتزاوجون رغبة في الخلود و الاستمرار ، لربما يخرج من بين ظهرانهم فاتح أو رجل جسور ، و لكن كل ما يخرج منهم بضع تماثيل حقنت بسائل هلامي يمتد بداخلهم ؛ يساعدهم في التجبد و التمطي بكسل أشعبيّ .

- و لكنك أنت أيضا أردت الزواج يوما ما ، و أحببت ، و لكني أعرف السر وراء هذا ، لم يكن حبا في الزواج أبدا ، و لا ذاك التناسل ، و لكن لإيجاد سبب يدفعك للتمسك بالحياة ، ولكنك كنت لتصبح روتينيا تقليديا كما الجميع ، أنا لم أفكر هكذا أبدا ، لم أفكر بالزواج أبدا ، حتى أن هذا لا يخطر في بالي أبدا ، حتى عندما أخبرني أحدهم بمنافع الزواج !!!! ، و أنه لعبة طويلة كفيلة بإنسائك همك و ألمك النابع من عائلتك .

- أنتِ هربت ؟

- أيّما هروب !!! ، لم أغلق موضوعا بهذه السرعة كما أغلقت هذا الموضوع ، أتعلم .. لقد تذكرت طرفةً و أنا أسير بين القبور ، و لكن هيبة الموت لا حرمة الأموات هي من منعتني الضحك ، اذكر يوم كتبت في مدونتك : " أنك ضحكتك ملء فمك عندما كنت في المقبرة ، لأنك كنت تعلم أنك ستكون هنا يوماو أن أحدهم لن يعبث بتمددك و سيضحك ببلاهةِ دونما ورعٍ او احترام ، كنت تعلم أن العالم لن يعبث و لكن أتدري العالم في الخارج يتحدث عنك ، قريبا سيضعون لك تمثالا في الساحة الكبرى ، و لكن شيوخ المدينة المعاصرون ممن ألقوك في جهنم ، سيخرجون في اعتصام لمنع ذلك ، حتى أنهم سيرفعون عريضة في المحكمة لمحاكمتك بتهمة التحريض على الموت و إزهاق الأرواح .

- مضحك حقا ، أهو ذاك الشخص ؟ ، الذي رمى ابنه في الانتحار الإسلامي ، أوه أقصد الإيجابي .. ، دعك من هذا ، كيف هم أصدقائي يا سارة ؟

- الجميع حزينون ، ألا تسمع قرع نعالهم ؟

- بلى ، و لكنهم يجلسون صامتين إلا أن يشاء الله فتسقط دمعة مالحة فتروي قبري العطش ، أمي كذلك تجلس هنا و تحدثني بكل شيء و حول كل شيء ، أنا محظوظ للغاية في موتي .

- نعم ، طريقة الموت خاصتك راقتني جدا ، انتقال سريع ما بين الدنيا و الآخرة حتى لو بدت بطيئةً للجميع ، و لكن هو كما في عالم الأحلام يا مهند ، أوه لطالما تساءلت عن طول الحلم و قصره في نظر هؤلاء العلماء ، أتعلم كنت أصدق نفسي و أكذبهم جميعا ، ربما لا يحلمون مثلنا .

- بلى ، يحلمون ، الأحلام حقا طويلة و لكن زمانها غير زماننا اللحظي هذا ، أحلامي و أحلامك يا سارة حتى و إن كانت قصيرة فهي طويلة لي و لك ؛ لأن كلانا يحلم بعائلة نرسم هيئة الأب و الأم ثم الإخوة و لكننا نفشل في رسم الأحداث لأننا نرغب فقط في تركيز الضوء حول الأب أو الأم ، فإن نجحا في إقناعنا كان الباقي المتبقي سهلاً .. أحلامنا بسيطة للغاية يا سارة .. و لكنها صعبة المنال .

- مهند ، إني خائفة.

- مِمَ أنتِ خائفة ؟

- أخاف من طيفك عند نحيب المطر ، و من لحدك المسجى خلف التلال ، الطرق و المزاريب تنشج بصوت عال ، أخاف أن يحفر المطر قبرك فتظهر للعيان مبتسما و يظهر سرنا جهرا ، و تذهب روعة اللقاء .

- ما زلت كما أنت ، تحبين التفرد و التميز حتى في طقوس الموت ، لا تقلقي نفسك عبثا ، أتذكرين وعدنا لبعضنا ، كلمة السر و ترتيل انشقاق القبر ، لا تقلقي ، " فأنا حي مثلك ، و أنا الآن واقفٌ إلى جانبك ، فأغمضي عينيكِ و التفتي ، تريني أمامك " .

- صدقت ، أوه إنه المطر انظر إلى السماء ، كم أنا محظوظة يا مهند لأنني أحادثك الآن ، أقاسم خوفي معك ، و هواجسي و وساوسي ، متعبة جدا يا مهند ، متعبة للغاية ، أرهقت هذه الدنيا قلبي ، أتعبتني حاولت و تمسكت بحبالٍ كثيرة ، كنت أعطي للدنيا فرصة كي لا تتهمني بالضعف ، و لكن برحيلك و غيابك علمت أن الضعف في البقاء على قيدها ، انظر هنا ماذا صنعت ، لقد رسمت اللانهاية على يدي ، كإشارة مني على تواجدي رغم غيابي ، انظر ..... ، مهند أين أنت ؟ ، هيا اظهر من مخبئك ، حسنا ستهطل السماء بعد قليل ، و سنتبلل حتى أصابع أقدامنا ، و لكن أمك لن تعرف بهذا أعدك ، كذلك أنت بارع في إخفاء لهوك و مشيك تحت المطر ، ألم تكن تخفي آثار أقدامك بسجادة صغيرة ، حتى لو كبرت أقدامك سنجد شيئا ، و لو جعلنا الأرض ملعبا كبيرا ، مهند ، هيا اخرج انها تمطر ، سأمرض الآن و أبقى لأيام في المشفى ، أنت تعلم أني ذات مناعة و مقاومة للمرض قليلة ، الرعد يزمجر بشكل مهول ، إنه غاضب و مخيف ، أنا أخاف الرعد أخافه بشدة ، الظلام شديد ، هيا اخرج الآن ....

- سارة ، يا ابنتي !

- أبي ؟!!!!

- لم لم تغلقي النافذة ، ستمرضين الآن و لن تتناولي الدواء كالعادة ؟

- كنت ، كنت أتحدث مع .... ؟

- ماذا ، تتحدثين مع من ؟ ، ألم تكوني نائمة ؟

- هل كنتُ نائمة ؟!!! ، بلى كنتُ كذلك .... !!!!!


ما رأيك بهذا المنشور؟

تعليقكم يعني الكثير للكاتب:


التعليقات