القناع البرونزي (11)
القناع البرونزي (11)
Google+
عدد الزيارات
26
الحلقة (11)

انتقلت الي معسكر التدريب وخضعت لوقت قصير الي تدريب شاق وسريع على استخدام المنطاد والاتصالات اللاسلكية المشفرة ثم انضممت الي فرقة القوات الخاصة التي انشأها تشرشل والتي كانت مهمتها جمع المعلومات ومساعدة الثوار في فرنسا ضد الالمان، وبالفعل تم الاستعداد بشدة لإسقاطي خلف خطوط العدو لانضم الي المقاومة الشعبية.

وكمكافئة لي قبل المهمة سمح لي القائد بالذهاب لتوديع اهلي مع إبقاء امر المهمة الانتحارية سرا، يومها ذهبت الي امي واخوتي واخبرتهم انني سوف انتقل الي مكان قريب من خطوط المواجهة، رغم ان امي كانت قعيدة منذ وفاة ابي الا ان عقلها لازال يعمل بكفاءة عالية ولم تفقد قدرتها على قراءة ملامحي فأشارت لي لاقترب منها وقالت: اشعر إنك سوف تورطين نفسك في امر بالغ الأهمية وان زيارتك لنا اليوم لتوديعنا وليس لزيارتنا.

حاولت ان ابتسم وان ازيح تلك الأفكار من رأس امي وقلت: ليس لهذه الدرجة يا امي انها فقط بعض المهمات البسيطة، فماذا سيحدث لعاملة لاسلكي.

ابتسمت امي وقالت: بنيتي انا اعرفك أكثر من نفسك واعرف متي تكذبين ومتي تحاولن التستر على امر ما، انا لن اضغط عليك أكثر من هذا ولا اريد ان اعرف كل ما اريده ان تحترسي وان لا تفعلين الا ما تقتنعين به ولا يخالف ايمانك.

وضعت يدي على رأسها وقبلتها وقلت: ستفخرين بي يا امي كما تفخرين بأبي رحمه الله.

قالت امي وهي تمسك بيدي: انا دائما ما افخر بك فأنت أقرب ابنائي شبها بأبيك.

ثم مدت يدها الي حقيبتها وقالت: سأهديك شيء عزيز الي قلب ابيك وكان يحبه كثيرا.

ثم أخرجت من حقيبتها شيء لامع فنظرت له لأجد ذلك القناع البرونزي بين يدها، مدت يدها الي به وقالت: هذا القناع كان هدية اهداها ثري مصري يعيش في بريطانيا لأبيك منذ زمن بعيد ويقول انها كانت تميمة حظه، فخذيه معك لعله يعطيك الحظ ويعيدك لي سالمة.

نظرت الي القناع وانا أقول لنفسي " تميمة حظ؟؟؟ ده النحس بعينه، كدة ضمنت الموت والحمد لله " 

مددت يدي الي القناع لأخذه وأقول لأمي: سأحتفظ به وانا متأكدة انه سيمنحني الحظ كما منح الحظ لابي أيضا.

                    *******************************************************************

وقفت وقفة عسكرية وقد شددت جسدي امام القائد بعد خضوعي للتدريب، نظر لي القائد وقال: كل التقارير التي جاءت من مرؤوسيك سلبية تماما ولكني متأكد ان تلك التقارير نتيجة لتحيزهم ضدك بسبب بشرتك الداكنة وعقيدتك الإسلامية لذلك تجاهل المسئولين كل تلك التقارير لان تقريري الخاص فيك كان مجمله إنك فتاة مثالية وأيضا من أمهر عاملات الراديو وذات درجة ممتازة للتعامل مع أجهزة اللاسلكي.

صمت قليلا لينظر الي ملامحي التي لم تتحرك ثم قال مكملا كلامه: قبل ان تذهبي الي مهمتك أحب ان اعلمك ان شاحنات التتبع النازية في كل مكان وهذه الوظيفة هي الأكثر خطورة بين كل المناصب والوظائف بجهاز العمليات الخاصة، وذلك لأن سلطات الاحتلال النازية هي الامهر في تتبع الاشارات، والتعرف على مصدرها وأقصي من سبقوكي استطاع ان يصمد لستة أسابيع قبل ان يتم القبض عليه وقتله بوحشية، لذلك انا لازلت اخيرك بين قبول المهمة او رفضها.

بدون تردد اجبت: موافقة وبلا ادني شك سيدي.

نظر لي القائد مبتسما وقال: حسنا، سيتم انزالك في الريف الفرنسي لتتحركي ناحية باريس وهناك ستنضمين الي شبكة المقاومة تحت الأرض والمسماة ازدهار حيث ستكونين وسيلة الاتصال بين لندن والجواسيس المحليين والمقاومة الفرنسية للاستعداد ليوم الغزو، ولعلمك الخاص ستكونين اول جاسوسة ترسل معلومات عبر موجات الراديو في التاريخ ومن يعلم ربما سيخلد التاريخ اسمك يوما ما.

اديت التحية العسكرية وانصرفت ورغم خطورة الموقف والمهمة الا انني لم اشعر بذرة من الخوف داخلي فلقد كنت أكره كل الأنظمة الدكتاتورية وكنت اريد الانتقام من ذلك النازي وكسر انفه لذلك صبرت كثيرا طوال عام كامل من التدريبات الشاقة واليوم هو اول يوم من المهمة.

طلب مني النوم جيدا لأن المهمة ستبدأ ليلا ولكنني كنت متحمسة كثيرا ولم أستطيع النوم حتى جاءت لحظة المغادرة فارتديت الملابس المتفق عليها وتوجهت الي مدرج الطائرات حيث كان ينتظرني القائد الذي ألقى التحية وقال: سيتم تجهيزك بجهاز لاسلكي وبوصلة وراديو وخريطة للمنطقة.

اقترب مني عسكري ووضع امامي حقيبة غريبة المظهر حيث تشبه الالة الكاتبة كثيرا، ثم أكمل القائد كلامه: هذا كل ما أستطيع اخبارك به وسنوالي الأوامر لك عن طريق جهاز اللاسلكي، نور .... اريدك ان تعودي سالمة.

قالها سم ادي التحية وانتظر حتى صعدت للطائرة وظل واقفا حتى أقلعت الطائرة وغابت عن الأنظار.

لم يطول الامر طويلا حتي اخبرني قائد الطائرة بالاستعداد للقفز فلقد اقتربنا من منطقة الانزال ، فوقفت علي باب الطائرة و عيني علي الضوء الأحمر علي بابها حتي اضاء باللون الأخضر فقفزت كان إحساس غريب فرغم خوفي كنادية من المرتفعات الي ان شجاعة نور كانت هي الغالبة ن فلم اشعر حتي بازدياد ضربات قلبي او لثانية من التردد او الخوف حتي استقريت علي الأرض ، جمعت المنطاد و اخفيته جيدا و كمنت في مكاني لبعض الوقت حتي أتأكد انه لم يراني احد ثم أخرجت الخريطة و البوصلة و حددت مكاني الذي كان في منطقة موحشة و نائية بالريف الفرنسي ، و طوال ساعات لم تتوقف نور عن المشي او حتي تخفف من سرعة مشيها حتي وصلت الي مكان اللقاء مع رجال المقاومة الفرنسية بباريس و انضمت لهم ، لم يكن اللقاء حارا بل كان لقاء يملأه الشك و الخوف مني حتي تأكد الرجال و النساء في المقاومة من انني نور ابنة عنايت خان بل تعرف علي بعض من كان يحضر لقاءات ابي .

كانت العيشة تحت الأرض رغم صعوبتها الا انها كانت ذات جو عائلي محبب وامان كبير حيث كانت شبكة الانفاق معقدة جدا ويصعب على اية الماني التحرك داخلها، حتي تلقيت اول الأوامر ثم بعد ذلك توالت الأوامر تباعا من القيادة حيث امرنا بتفجير العديد من الجسور و السكك الحديدية و طلب معلومات عن تحركات الجيش الألماني لمدة أربعة أسابيع كاملة حتي امرتني القيادة بالعودة و لكني رفضت رفضا تام و استمريت بالخدمة لمدة ثلاثة شهور اخري حيث ادرت شبكة تجسس كبيرة و انتقلت من جبهة الي جبهة لجمع اقصي قدر من المعلومات و بثها عن طريق الراديو و رغم براعة الالمان في تعقب الإشارة الي انني استطعت ان اراوغهم كثيرا و تعلمت كيف اشوش عليهم .

كانت القيادة رغم الحاحها في طلب رجوعي الا انها كانت في قمة سعادتها بالمعلومات التي أرسلها وأخبروني ان تلك المعلومات كانت السبب في انقاذ العديد من اليهود من يد النازيين وانهم قد كونوا فكرة كبيرة عن تحركات الجيش النازي ولكنهم كانوا يحزروني من مكر النازيين حيث انهم لم يتركوني هكذا بدون ان يفعلوا كل شيء للإيقاع بي.

وفي صباح أحد أيام شهر أكتوبر الباردة من عام 1943 اقتحم الالمان مقرنا السري ووقعنا في قبضتهم.

#القناع_البرونزي

**************************************************************************************************************


اترك أثراً للكاتب: