المفكّرة والممحاة
المفكّرة والممحاة
مخطوطة منسيّة في عالم بلا خرائط .

القسم الأوّل

وحدتي ترسم تمثالاً مصغّراً لإمرأة ، لستُ فنّاناً تشكيليّاً ولا نحّاتاً . الصّمت بيني وبينها لُغة مشفّرةً وموسيقى مختلفةً بعيداً عن النّشاز الذي أصاب الجمال بالقبح .بينما أتحاورُ مع ذاتِي ، يا لغرابة هذا العالم ، الفردُ فينا يطغى تركيزه على الخارج ولا يتصالحُ مع نفسه ، نُحارِبُ أشباحاً خاصّة بنا ونتناسى سلامنا الدّاخلي بين المتاهات . سمِعتُ صوتاً غريباً : " اِصبرْ يا أكرم ! مازلنا في بداية الطّريق . لا تَخَفْ كلّ الطرق تؤدّي إليك ... " 

غاب الصّوت في الزّحام . أنا ووِحدتي نُشكّل طريقاً هندسيّاً لعالم بلا خرائط مُسرِعينَ وراء طيف لا لون ، لا رائحة ، ولا شكل لهُ . في عالم كثُرت فيه الوجوه المُقنّعة . طيفٌ أصاب العيون بالعمى ، الآذان بالصّمَمْ ، وأيادٍ بالشّلل .

الأمل صحراء لا ظلال لها ، المرءُ فينا يتخبّطُ بين الشّيء واللاّشيء . المكانُ لا عنوان لهُ والزّمان لاتوقيت لهُ ، كالسّراب فهو بلاهويّة . نراهُ و لا نُمسكه . 

مع الوحدة نتعلّق بثلاثة أشياء : الماضي ، الحاضر والمستقبل . مفكّرة Agenda خضراء كُتِبَ بالأصفر الذّهبي أسفل اليسار سنة 2007 . فتحتُ الصّفحة الأولى ، أعلاها مكتوب بخطّ متناسق ، اسمي : أكرم غريب / طالب سنة أولى علم إجتماع . أحدّق في الإسم ، أفكّرُ قليلاً ، بحثت بين الكتب المرميّة في طاولة منسيّة لعلّني أعثرُ عن ممحاة لأمسح إسمي . ولكن لا أمل . فالقلم ليس من نوع رصاصيّ . فمن أين لي أن أخترع قلماً لا حِبر لهُ ! . قلمي يدوّنُ حاضراً تشوبه العتمة و مستقبلاً تعتريه الضّبابية . 

كُلَّمَا أضعُ رأسي على وسادة نصف الموت ، يراودني سؤال وجودي ألا وهو : " لماذا نحن البشر نهرب من مفهوم اسمه الفشل ؟ " ونركضُ مثل خيول هائجة وراء النّجاح والنّصر . تذكّرتُ تمهيدًا لكتاب يحمِلُ عنوان << الفشل >> من زاوية التحليل النّفسي بعد أن قرأته تركتُ نقطة استفهام " ؟ " وحيدة ، كئيبة في بحر من الكلمات  .  

" الفشل هزيمة مرّة تتربّصُ بالإنسان في ميادين الحياة كافّة : العاطفيّة والإجتماعيّة والمهنيّة والفكريّة ، فيسقط الإنسان هناك حيث النجاح ممكن ومتوقّع وتتلاشى الآمال والأحلام على صخرة الواقع الصّلبة . " تمهيد للدكتور << طلال حرب >> أَدْخَلَنِي في جدل بيني وبين نفسي . الحياة بئرٌ عميقةٌ ، ان لم تعرف كيف تُلقي بِدَلْوِكَ تضيعُ في الفراغ .

الحياة سؤال وجواب . بينما تتواصلُ رحلة البحث ، أحوم حول الغرفة لعلّني أَعْثُرُ على ممحاتي رغبة منّي محو ذكرى من ذكريات حياتي وأُعيد صياغة كلماتي من البداية .

#الغرياني_بالسّعيدي : حزوة / تونس

اترك أثراً للكاتب: