من حكايا الصُّناع .. ماسح الأحذية
من حكايا الصُّناع .. ماسح الأحذية
- و لكني لا أستطيع الخروج.. الخارج وحش سيء يا جدي ، سرق من عائلتي ......
- آه أيها الصغير ، الخارج لا يسرق ، لقد كانت أقدارهم مكتوبة و هم فقط عاشوها ، و أنت أيضا كذلك ، و لكن لا تجعل القدر يرسم طريقك و يتحكم فيك ، عليك أن تخرج لتتعافى ، بل كنت ستموت لو لم آتي ......

تدافع المارة يمدون أقدامهم بأحذيتهم الملوثة الممتلئة بالطين في وجه هشام الصغير ، ذاك الصغير ذو العشرة أعوام ، الذي اتخذ ركنا في أحد الشوارع ، ليضع صندوقه الصغير و فرشاته و منشفته البالية إلى جانب علبة التلميع التي ورثها عن والده قبل ثلاثة أعوام ، تعلم في هذه السنوات الثلاث كيفية مسح الأحذية بشكل جيد ، يلمع الأحذية مع ابتسامة مرسومة على وجهه المغبر من أثر الأتربة ، حتى أنه أصبح يقيس عمر الرجل و مستواه الاجتماعي من مقاس حذائه ، فهذا حذاء لعجوز في العقد السابع ، قدمه ترتجف من شدة الضعف الذي نخر عظامها ، و هذه قدم لسيدة في الثلاثين ، زوجها موظف حكومي ، تبتاع من محال تقليدية ، أما هذه فقدم لطفل في مثل سني ، حذاؤه جميل للغاية يبدو الدلال عليه من حذائه ، بالأمس لمعت له الحذاء الذي يقبع داخل صندوقي ، و ها هو اليوم ينتعل حذاءً جديداً ، ترى هل يفكر أن يستعيد حذاءه لو رآه في قدمي ؟ ، لكنه لا يستطيع ، هذا الحذاء أصبح ملكاً لي ، بعدما تخلى عنه و ألقاه في الحاوية ، و بعدما خاطرت بترك بسطتي الصغيرة في هذا الركن المعتم ، رغم خوفي عليها من بطش الصغار قبل الكبار ، و ذلك لانقاذ حياة هذا الحذاء الضعيف من دورة الفناء في أحد المصانع القديمة ، أما هذه فقدم جاره العجوز إسحاق ، منبه ساعته و يومه ، نعم .. قدم الجد إسحاق كانت منبه هشام ، ما إن يمدها حتى يطوي الصغير بسطته ثم يحزمها على ظهر ، و يطلق قدميه  للريح ، يركض بقدميه الحافيتين عبر الشوارع الواسعة ، يصارع الرمال الساخنة صيفا ، الباردة شتاء ، و الزجاج المنثور على الأرض ، حتى يصل البيت مصابا بكدمات لا بأس بها من أثر السقوط المتكرر ، الهلع و الخوف يسيطران عليه ، من يراه يظن أن أحدهم تسلط عليه ، أو أنه هارب من مجموعة من اللصوص ، يغلق الباب بإحكام ، بثلاثة أقفال كان قد ابتاعها من عمله و جهده الخاص ، كيف لا ، و هو يتيم لطيم ، يحيا لوحده دون أبوين ، يرعى نفسه و يقوم عليها ، لا يحتاج أحدا ، سوى هذا البيت و الأقفال ، لأنه يخاف الخارج ، و لا أحد يعلم لم ؟! ، تُراه يخشى المجرمين أم السارقين ؟ ، و لكنه فقير معدم !

في صبيحة اليوم التالي كانت السماء تمطر بشدة ، و خلت الطرقات و الشوارع من المارة سوى بعض البائعين المتجولين ، و هكذا كان الحال لهشام ، وضع بسطته انتظارا لأقدام متسخة تحتاج للتنظيف و التلميع ، بقي على هذا الحال طوال النهار و تجاوز ساعة بعد الغروب رغبة في القليل من النقود ، تحسبا للمنخفضات الثلجية التي ستضرب البلاد ، و لكي يبتاع مؤونته الغذائية الصغيرة المكونة من الخبز و الجبن و القليل من الحليب ، و لكن يومه كان سيئا فقد عاد ببضع القروش ، و كعادته أطلق قدميه للريح على الشوارع الإسفلتيه خوفا من الارتطام أو الانزلاق على الأرض الطينية ، كان اليوم التالي عاصفا ، و انتشر الباعة ، و لكن ركن هشام كان فارغا ، بحث عنه المارة لتلميع أحذيتهم ، منهم من لعن هذا الصغير ، و منهم من أطلق سيلا من الشتائم عليه ، و آخرون اتهموه بالكسل و كأنه أجيرٌ أو عبد مسخر ، إلا الجد إسحاق الذي كان قلقلا عليه ، فهو يعرفه حق المعرفة ، لا يمكنه التأخر او التباطؤ في طلب الرزق ، في المساء ذهب العجوز لبيت الصغير هشام الذي فتح الباب بعد طرق دام لمدة طويلة ، كان ملتحفا يرتعش من شدة البرد ، تكاد عيناه تميز من حرارة جسده ،  تناوله الجد إسحاق سريعا بعد أن أوشك على السقوط .

- هشام ، يا صغيري اخلع ما عليك ، تكاد تنفجر من الحرارة.

- و لكني أشعر بالبرد يا جدي ، ألا تراني أرتجف ؟

- حسنا ، لنذهب إلى المستوصف ، لنخفض حرارتك ، و نزيل ارتجافك هيا .

- ابتعد ، لا أريد سأبقى هنا في البيت و أتعافى .

- لا يمكن يا صغيري دون أن تأخذ العلاج اللازم ، لكي تتحسن و تعود إلى عملك .

- لا أستطيع .

- و لكن ، لمَ ؟ لماذا لا تستطيع ؟!!

- إذا خرجت سأموت .. الخارج سيء يا جدي ، وحش قاتل ، يأخذ كل من نحب .

- ليس صحيحا يا بني ، في الخارج مشافٍ و أطباء و .....

- أنت لا تعلم ، أنتم الكبار تظنون أنكم تعرفون كل شيء و تحيطون بأي شيء ، و لكنك لا تعلم أن الخارج سرق من عائلتي قبل أن تعيش أنت هنا ، خرج أبي ذات يومٍ إلى العمل و لم يعد ، سرقه حريق المصنع ، و أعاده جثة متفحمة ، و أمي سرقتها إحدى المركبات الضخمة بعد عودتها من المخبز ، و أخي الكبير ، سرقه المشفى بعد أن أعلنوا أن مرضه لا يناسب مشفاهم ، لم يجدوا الدواء ، و أنا أيضا إذا خرجت سيسرقني الخارج و ينهيني ، لن أستطيع الركض بحالتي هذه و أخاف على الحذاء من أن يهترئ و يبلى ، لن أجد له بديلا عند زيارة مقبرة عائلتي ، لذا لا أستطيع الخروج.

- آه أيها الصغير ، الخارج لا يسرق ، لقد كانت أقدارهم مكتوبة و هم فقط عاشوها ، و أنت أيضا كذلك ، و لكن لا تجعل القدر يرسم طريقك و يتحكم فيك ، عليك أن تخرج لتتعافى ، بل كنت ستموت لو لم آتي لزيارتك ، كنت ستختنق من الحُمى ، لذا سأغلي لك بعض الأعشاب المتواجدة لدي ، و لتشربها و لتخرج غدا إلى الخارج .

- حسنا ، لا بأس سأكون غدا في ركني واقفٌ على رأس عملي .

أطل هشام برأسه خارج النافذ ، كانت الأرض مغطاة بالبياض ، يبدو أنه يوم عاصف من بدايته ، و لكن لا بأس بالخروج ، الجد إسحاق دائما على حق و أنا أثق بكلامه وثوق الموقنين ، حتى و إن لم تغادرني الحمى ، سيكون يوما شاقا .

لأول مرة ينتعل هشام حذاءه ، يحمل بسطته على ظهره ، و يضع علبة الدواء التي أحضرها الجد في جيبه ، و كسرة الخبز في يده ، يبتسم و يمشي ببطء رغم تساقط الثلوج فوقه ، و رغم خلو الشوارع و المدينة من ساكنيها ، أخذ يرتب بسطته بتعب و إعياء شديد ، ينظر هنا و هناك لربما ود أحدهم أن يلمع حذاءه ، و لكن الثلج كان كفيلا بهذا ، فكل الأحذية مبتلة و لامعة ، أخذ يحدث نفسه : لماذا أبقى أنا في هذا المكان في هذا الركن البعيد ، لأسير بالمدينة لربما أجد حذاءً متسخا ، حذاءً مترفاً ، او حتى حذاءً تقليديا ، مشى لمسافة بعيدة جدا عن البيت على غير عادته ، انقضى النهار و لم يجد أي حذاءٍ يحتاج المساعدة ، قرر العودة إلى بيته و لكن التعب و الحمى  اشتدت ، فأسرع إلى ركنه البارد ، مسنداً رأسه إلى الحائط رغبة في الاحتماء من البرد ، و لكن الوقت يطول و هذه العواصف الثلجية لا تتوقف ، و المطر يزداد ، و الرعد يزمجر بشدة ، و لكني لن أخاف شيئا ، الجد إسحاق أخبرني أن الخارج لا يسرق دائما ، و ها هو الدواء معي ، سآخذ حبة كي لا يصيبني الرعد بصاعقةٍ فأموت مثل أبي ، و بعد أن تناولتها لم أعد أخاف الرعد ، حتى أصوات هذه العربات النافرة المجنونة لن تقلقني ، فهذه الحبة ستطوقني بغطاء حديدي و لن أتمزق مثل أمي ، كذلك ستمنع مرض أخي من الانتقال إليّ ، ذاك السرطان لن يصيبني ، فلم أخاف الخارج أنا هنا بأمان ، ما أسعدني اللحظة و كم أنا فخورٌ بشجاعتي .

- و أنا فخورٌ بك يا بني ، انظري يا عزيزتي إلى صلابة ابننا كم هو قويٌ و متين ، أليس كذلك  ، كم نحن فخورون بك أمك و أنا و أخوك ، هات يدك يا صغيري لأحتضنها ، تعال إلينا لنتعانق و لا نفترق أبدا .

في صبيحة اليوم التالي ، أطلت الشمس بأشعتها الكسولة على هذه المدينة الباردة ، كان الجد إسحاق يجلس بجانب هشام الذي يتصبب عرقا ، من أثر اختفاء الحمى .

- حمداً لله على سلامتك أيها الصغير ، كدت تموت بالأمس في ذاك الركن البارد ، لقد قلت لك أن الخارج ليس موحشا أو  سارقا و لكن ليس أن تبقى فيه إلى الأبد ، كمن خرج من زنزانته حديثا .

- أبي .. أمي .. أخي !!!!!!

- هل رأيتهم بينما كنت تحلم ؟ لقد كنت تهذي بهم .

- نعم ، و كدت أذهب معهم أيضا ، نتعانق دون فراق ، و لكننا افترقنا مجددا.

- نعم ، كدت أفقدك أيضا ، لذا قررت أن تنتقل للعيش معي ابتداءً من اليوم ، لنسكن في منزلٍ واحد و لنذهب إلى الخارج و نعود من العمل معا ، لا أريد بائعة كبريت أخرى ، أريد منضالاً يكافح لأجل العيش ، لأجل أن يخلد الصمود الشامخ في محاربة وحش الخارج .


ما رأيك بهذا المنشور؟

تعليقكم يعني الكثير للكاتب:


التعليقات