من المتنبى إلى أحمد موسى!
من المتنبى إلى أحمد موسى!
إن العبيد لأنجاس مناكيد

منذ فترة طويلة وأنا أفكر فى الكتابة عن علاقة شاعر العربية الأكبر "أحمد بن الحسين بن الحسن الكندى" الشهير ب "المتنبى" مع مصر وحاكمها "كافور الإخشيدى" ،من خلال ماكتبه الأول مدحا أو قدحا فى الثانى،بإعتبار تلك العلاقة نوعا مبكرا - وربما مؤسسا - لفن "التعريض" السياسى بين صاحب القلم وصاحب السلطة.

ولكنى أتراجع فى كل مرة عندما تقودنى الصدفة لقراءة أو مشاهدة مايقدمه "المعرضون" فى وقتنا الحاضر والذى فاق بكثير ما قاله الشاعر القديم لدرجة أنه يعتبر "التأسيس الثانى" لذلك الفن القديم ولقواعده وأصوله،مع ملاحظة الفروق الهائلة والمهولة بين ماقدمه "المعرض" القديم،وبين مايقدمه "المعرضون" الجدد على كافة المستويات البلاغية والمهنية والحرفية.

لا أتكلم هنا عن موقف جديد أو بسبب حادثة محددة(والأمثلة كثيرة ويصعب حصرها) ولكن الحديث فى المطلق،أو ربما نتيجة لتراكمات إستقرت فى الوعى (أو اللاوعى) منذ أن بدأت سيمفونية "التعريض" لتصبح نغمة أساسية فى كل المواد المقروءة والمسموعة والمرئية عقب ثورة 25 يناير وصولا لحد "البجاحة" فى تأييد كل قرار يصدر عن القيادة السياسية فى مصر الأن،وبدون أدنى حد من إعطاء الفرصة للنقاش أو التباحث عنه أو حوله.

إن الفارق الكبير بين القديم والجديد فى ما قاله أو يقوله أولئك "المعرضون" هو حجم المصالح والأهداف التى "يعرضون" لها،ف"المتنبى" كان يبحث عن مصلحته الشخصية المباشرة والتى كانت لاتتعدى الأكل والشرب والأمان لنفسه دون التأثير على سياسات الدولة أو توجهات الأمير الذى يمدحه،أو على حياة الآلاف الذين يعيشون فى هذه الإمارة أوتلك،بعكس مايحدث الأن ف"التعريض" أصبح وسيلة لوبى أخطوبوطى يمثل تحالف رجال أعمال ومثقفين وسياسيين ليس من هدف لهم سوى الحفاظ على مكاسبهم الكبرى أو الحصول على أكبر قدر من الغنائم التى وصلت لحدود يصعب تصورها أو حصرها.

فى وقت من الأوقات أبدى الرئيس السيسى إعجابه الشديد (لدرجة الحسد كما قال) ب"إعلام عبدالناصر" فى الستينيات،فيما يشبه الأمنية منه للحصول على إعلام مشابه،والمقصود بالطبع هو إعلام تعبوى يؤيد النظام ولايعارضه،يبرر قراراته وتصرفاته من منطلق "وطنية" ذلك النظام التى لاتشوبها شائبة،وهو الأدرى بمصلحة البلاد العليا وليس غيره،ولا مجال لمعارضته لأنه ليس هناك مايبرر معارضته فى الأساس.

ولم يدر السيسى وهو يقول ذلك أنه قام بإلغاء سنوات طويلة من التطور البشرى فى ثوانى قليلة،فبغض النظر عن مدى مهنية إعلام الستينيات من عدمها إلا أن الثابت ان مفاهيمه وأساليبه لم تعد - يقينا - صالحة فى عالم بات يتغير كل لحظة،وهذا النوع من الإعلام لم يعد موجودا - فضلا عن تصديقه - إلا فى دول وأوطان لاتزال تقف فى طور التقدم عند المرحلة "النازية" فى ألمانيا ووفق مبادئ الملفق الاكبر "جوبلز".

وتبقى النقطة الأكثر مأساوية فى كل ذلك هى أن " التعريض" الذى بدأ ب"المتنبى" بكل فصاحته وبلاغته ينتهى ب"أحمد موسى" وغيره بكل تفاهتهم وسطحيتهم،وتلك نقطة تستحق الإهتمام والدراسة ليس من باب علاقة الإعلام بالسلطة ولكن من حيث تطور اللغة العربية وثقافتها لكى تصل لهذا المستوى الرديئ والوضيع!


اترك أثراً للكاتب: