رسالة من مغترب
رسالة من مغترب
Google+
عدد الزيارات
89
رسالة من مدينة (ن)

صديقي العزيز “ آدم” ، أكتب إليك هذه الرسالة من مدينة ( ل.ن) من مكتبي الصغير ، والقلب يعتصر شوقاً إليك وإلى أيام الطفولة والحي ، هاقد خدعنا القدر مجدداً ، وفرّقنا عن بعضنا البعض ، وأنا اغتربت عن الحي منذ سنتين لأكمل دراسة الماجستير ، وأمي توفت قبل سفري بسنة بمرض السل ، كانت تتألم بشدة يا آدم ، وكنت عاجزاً عن كبح أوجاعها ، إلا أن مشيئة الله فوق كل شيء ، وليتك تعلم كم من الصعب أن ترى الذين تحبهم يتألمون أمامك وليس في يدك حيلة ، فالموت ليس قضية الأموات وحدهم ، إن الموت يؤلم الأحياء ،  أقسم لك على ذلك ، فالأموات يتألمون ثم يرحلون ، ونحن نتألم على رحيلهم الدهر .

إنني جائع هنا يا آدم ، جائع للحب والحنان يا أخي ، لا أصحاب ولا زوار ، والناس هنا يتكلمون بلغة مختلفة ، لغة ليست باللغة التي كنا نتكلمها في الحي ، وكم أنكرتُ إنتماءات البشر المُغَلَفَة ، إلا أن الإنتماء للغة شيء مهم ياصديقي ، مهم جداً ، فمن ذا هنا يعلم عن أوجاعك ؟ ، وكيف تخبرهم عن خريف الحي ؟ إنهم لا يهتمون لشيء ، وأنا لا أدرك شيئاً من حولي ، شتاء يمضي وربيع يأتي ، وأنا لا أعلم في أي فصل نحن الآن ، فكل الفصول متشابهة هنا ، إلا الشتاء الذي يجتاح جسدي كل ليلة ، من رأسي حتى أخمص قدمي ، ربما باتت الغربة شتائي القارس يا آدم ، لا أدري ، ولكن ما أعلمه أن دفء العالم كله لن يحتويني ، والذكريات حارة ، حارة جداً ، وقد وضعتْ أحمالها وأعلنت من قلبي موطناً لها ، وإني لأدفع نصف عمري كي أحذف بعض الذكريات ، أو أن أعيد مجرى الأمور كأن لم تكن البتة ، ولكن هيهات .

إنني مريض هنا يا آدم ، مريض بالصمت ، ولكن للألم والصداع ضجيج كبير داخلي ، وياله من ضجيج ، وكلما ازداد الألم كلما زاد صمتي ، وهذا البلاء لا يصيب الكثير من الناس ، فالناس تصرخ عند إشتداد الألم ، أما أنا فصمتي يزداد مع شدة الألم .

آدم .. يا صديقي وقرة عيني ، إني لم أنسى كيف حملتني يوم مصابي ، وكيف سحبت الغيوم من السماء لتضمد بها جراحي ، وحبي لكَ ربيع في داخلي ، يزهر كل ما تذكرت مبسمك ، وكلي يقين أن عينيك لتدمع وأنت تقرأ رسالتي ، والحق أنها أمطار قلبك الطيب ، والرجال تبكي يا آدم ، وإن الرجل ليبلغ من الألم أن يغتسل بدموعه كل ليلة ، ولكن لا يراها أحد ، حتى الجدران تغمض أعينها حين ترى الرجال تبكي .. وصيتي إليك أن تبقى بخير ، وأن تخبر أبي ـ إن رأيته ـ أني بخير ، وأنه حاضر معي ما حييت ، وأخبره أن الحلم يستحق التضحية ، والفاجعة الكبرى أن يموت المرء دون تحقيق حلمه ، وإني عائد لأقبّل صدغيه مالم تأكل الغربة مني أكثر .. صديقك( م.أ)


اترك أثراً للكاتب: